ابن كثير

94

البداية والنهاية

ونقل ما فيه من آلات الحرب وغيرها إلى البلدان خوفا من الفرنج ( 1 ) . وفي ربيع الأول ( 2 ) نزلت الفرنج على دمياط وأخذوا برج السلسلة في جمادى الأولى ، وكان حصنا منيعا ، وهو قفل بلاد مصر . وفيها التقى المعظم والفرنج على القيمون فكسرهم وقتل منهم خلقا وأسر من الداوية مائة فأدخلهم إلى القدس منكسة أعلامهم . وفيها جرت خطوب كثيرة ببلد الموصل بسبب موت ملوكها أولاد قرا أرسلان واحدا بعد واحد ، وتغلب مملوك أبيهم بدر الدين لؤلؤ على الأمور والله أعلم . وفيها أقبل ملك الروم كيكاريس ( 3 ) سنجر يريد أخذ مملكة حلب ، وساعده على ذلك الأفضل بن صلاح الدين صاحب سميساط ، فصده عن ذلك الملك الأشرف موسى بن العادل وقهر ملك الروم وكسر جيشه ورده خائبا . وفيها تملك الأشرف مدينة سنجار مضافا إلى ما بيده من الممالك ( 4 ) . وفيها توفي السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب ، فأخذت الفرنج دمياط ثم ركبوا وقصدوا بلاد مصر من ثغر دمياط فحاصروه مدة أربعة شهور ، والملك الكامل يقاتلهم ويمانعهم ، فتملكوا برج السلسلة وهو كالقفل على ديار مصر ، وصفته في وسط جزيرة في النيل عند انتهائه إلى البحر ، ومنه إلى دمياط ، وهو على شاطئ البحر وحافة سلسلة منه إلى الجانب الآخر ، وعليه الجسر وسلسلة أخرى لتمنع دخول المراكب من البحر إلى النيل ، فلا يمكن الدخول ، فلما ملكت الفرنج هذا البرج شق ذلك على المسلمين ، وحين وصل الخبر إلى الملك العادل وهو بمرج الصفر تأوه لذلك تأوها شديدا ودق بيده على صدره أسفا وحزنا على المسلمين وبلادها ، ومرض من ساعته مرض الموت لأمر يريده الله عز وجل ، فلما كان يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة توفي بقرية غالقين ( 5 ) ، فجاءه ولده المعظم مسرعا فجمع حواصله وأرسله في محفة ومعه خادم بصفة أن السلطان مريض ، وكلما جاء أحد من الامراء ليسلم عليه بلغهم الطواشي عنه ، أي أنه ضعيف ، عن الرد عليهم ، فلما انتهى به إلى القلعة دفن بها مدة ثم حول إلى تربته بالعادلية الكبيرة ، وقد كان الملك سيف الدين أبو بكر بن أيوب بن شادي من خيار الملوك وأجودهم سيرة ، دينا عاقلا صبورا وقورا ، أبطل المحرمات والخمور والمعازف من مملكته كلها وقد كانت ممتدة من أقصى بلاد مصر واليمن والشام والجزيرة إلى همدان كلها ، أخذها بعد أخيه صلاح الدين سوى حلب فإنه

--> ( 1 ) كان السبب في تخريب قلعة الطور قربها من عكا وتعذر حفظها والدفاع عنها في الظروف المعروفة آنذاك . ( 2 ) في صفر كما في ابن الأثير وابن خلدون . ( 3 ) في ابن الأثير وتاريخ أبي الفداء : كيكاوس . ( 4 ) قال ابن الأثير ان صاحب سنجار أرسل إلى الأشرف بتسليمها إليه ويعوضه بها الرقة فأجابه الأشرف إلى ذلك وتسلم سنجار مستهل جمادى الأولى سنة سبع عشرة وستمائة ( 12 / 344 ) . ( 5 ) في ابن الأثير : عالقين ، وفي تاريخ أبي الفداء : عالقين وهي عند عقبة أفيق . وفي تاريخ ابن خلدون 5 / 345 خانقين .